الاثنين، 5 نوفمبر 2018

أقوال واعترافات دعاة تحرير المرأة




أقوال واعترافات دعاة تحرير المرأة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ،،

فهذا الاعتراف للكاتبة المشهورة ( غنيمة المرزوق ) رئيسة تحرير مجلة تحرير مجلة أسرتي تتحدث لبنات جنسها بصراحة فتقول : ( عيب أنتِ بنت ) كلمة سمعناها كثيرا في طفولتنا ..ورددتها ( أغلب العجائز ) آنذاك .

كنا نرى الولد يحظى بكل أنواع المتعة من مأكل وملبس ولعب وسيارات ..كان قلبنا يحترق ..نريد أن نلعب بـ الفريج ولكن الحكارة لنا بالمرصاد وكلمة عيب ..عيب .. كان كل شيء عيبا ، ولا نعرف ما معنى عيب ..وببراءة الطفولة سألت جدتي ( كيف أصبح رجلاً ) ؟ فردت بدهاء ( حِبي كوعك ) والكوع هو العظم الذي يفصل الذراع عن الزند ..حاولنا مراراً مع بنات الفريج دون جدوى ..كبرنا وكبرت آمالنا وتطلعاتنا ، نلنا كل شيء ..نهلنا من العلم والمعرفة ما يفوق الوصف ..أصبحنا كالرجال تماما ..نقود السيارة !! نسافر إلى الخارج !! نلبس البنطلون !! ..ارتدينا الماكسي الشبيه بالدشداشة ، والحجاب الشبيه بـ الغترة ..أصبح لنا رصيد في البنك ..أصبح لنا رجل يحمينا ويعطينا كل شيء دون قرقة أو نجرة ..وصلنا إلى المناصب القيادية واختلطنا بالرجال ، ورأينا الرجل الذي أخافنا في طفولتنا .أصبحنا ـ نحن النساء ـ رجالا وبدأت تعتري أجسادنا الأمراض ، وأصبنا كما يصاب الرجل نتيجة تحمل المسؤولية بـ السكر وتصلب الشرايين ..بدأ الشيب يغزو الشعر الأسود ..وبدأ الشعر الكثيف الذي كأنه ليل أرخى سدوله بالسقوط ..وبدأت الصلعة تظهر نتيجة التفكير والتأمل والذكاء !! الرجل كما هو ..والمرأة غدت رجلا تشرف على منزلها وتربي أطفالها وتأمر خدمها ..وتقف مع المقاولين وتقابل الرجال في العمل ..وكثرت هذه الأيام ظاهرة العقم عند النساء ، وعن سؤال وجه لاختصاصي كبير في الهرمونات قال : إن هناك تزايدا في هرمونات الذكورة عند النساء في الكويت وقد يكون سببها البيئة !! ..هذه حقيقة ذكرها طبيب عريق في مجال العقم وبعد أن نلنا كل شيء ..وأثلجت صدورنا انتصاراتنا النسائية على الرجال في الكويت أقول لكم بصراحتي المعهودة : ( ما أجمل الأنوثة ) وما أجمل المرأة ..المرأة التي تحتمي بالرجل ، ويشعرها الرجل بقوته ، ويحرمها من السفر لوحدها ويطلب منها أن تجلس في بيتها ..تربى أطفالها وتشرف على مملكتها وهو السيد القوي ..نعم أقولها بعد تجربة ..أريد أن أرجع إلى أنوثتي التي فقدتها أثناء اندفاعي في الحياة والعمل ..إن الذكاء نقمة في بعض الأحيان ، وأغلب الأمراض الحديثة نتيجة ذلك ..وما أجمل الوضع الطبيعي لكل شيء ..لقد انفتح المجال أمامنا بشكل أتعبنا جميعا ..والآن ..لو تيسر لنا فعلا وبالآلات الحديثة ( حبة الكوع ) فلن أفعل هذا العمل إطلاقا ..ولن أخبركم بالسر ، ولكن ساحتفظ به لنفسي 

وهذا اعتراف آخر للأديبة الكويتية ( ليلى العثمان ) حيث كتبت تقول : سأعترف اليوم بأنني أقف في كثير من الأشياء ضد ما يسمى بحرية المرأة ..تلك الحرية التي تكون على حساب أنوثتها ..وعلى حساب كرامتها ..وعلى حساب بيتها وأولادها ..سأقول : إنني لن أحمل نفسي ـ كما تفعل كثيرات ـ مشقة رفع شعار المساواة بينها وبين الرجل ..نعم أنا امرأة ..ثم تقول : هل يعني هذا أن أنظر إلى البيت ـ الذي هو جنة المرأة ـ على أنه السجن المؤبد ، وأن الأولاد ما هم إلا حبل من مسد يشد على عنقي ..وأن الزوج ما هو إلا السجان القاهر الذي يكبل قدمي خشية أن تسبقه خطوتي ؟ لا ..أنا أنثى أعتز بأنوثتي ..وأنا امرأة أعتز بما وهبني الله ..وأنا ربة بيت ..ولا بأس بعد ذلك أن أكون عاملة أخدم خارج نطاق الأسرة ..ولكن ـ ويا رب أشهد ـ بيتي أولا ..ثم بيتي ..ثم بيتي ..ثم العالم الآخر )

وهذا اعتراف آخر لأحد دعاة التحرير يقول كلمة حق في القضية ذاتها ..إنه أنيس منصور يقول في كتابه ( يوم بيوم ) : ( إن اليتيم ليس هو الذي مات أبوه أو أمه ..ولكن اليتيم هو الذي له أب وله أم ولكنه لا يشعر بهما ..يريانه ولكن لا يلمسانه ويلمسانه ولكن بلا حنان ..فلا هما موجودان بالنسبة له ولا هو موجود بالنسبة لهما ..لأن الرجل يعمل والمرأة تعمل وليس عندهما متسع من الوقت لتربية الأطفال )

ثم يأمل أنيس منصور : ( أن يجيء ذلك اليوم الذي تعود فيه المرأة إلى البيت لكي تكون أماً ولكي تساهم في إنقاص عدد الأيتام ) وهاهو ذا الكاتب الروائي الشهير إحسان عبد القدوس الذي أغرق السوق الأدبية برواياته الداعية إلى خروج المرأة من البيت والاختلاط بالرجال ومراقصتهم في الحفلات والنوادي والسهرات ، يقول في مقابلة أجرتها معه جريدة الأنباء الكويتية في عددها الصادر بتاريخ 18/1/1989 : ( أعتبر أن أساس مسؤولية أي امرأة هو البيت والأولاد ، وهذا ينطبق عليّ بالدرجة الأولى ، فلولا زوجتي ما كنت أستطيع تحقيق الأسرة والاستقرار والنجاح لأنها متفرغة للبيت والأولاد ) وهذا تصريح آخر من أحد دعاة إفساد المرأة وهو قاسم أمين يقول : ( لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك بل الإفرنج في نحو تحرير نسائهم ، وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب ، وإلى اشتراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم ..ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس ..فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن ، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات ، فرأيت من فساد أخلاق الرجال بكل أسف ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي ، واستنفر الناس إلى معارضتي ..رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا إليها بألسنة البذاء ، ثم ما وجدت زحاما في طريق فمرت به امرأة إلا تناولها الأيدي والألسن جميعا .)

 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

هل يجب على المرأة خدمة زوجها؟





السؤال
كثيراً ما نسمع عن حوادث طلاق أو ضرب للزوجة من قبل الزوج بسبب أمور تافهة مثل (عدم طبخ الغداء) أو (تأخير الغداء) أو (حرق الغداء) ، وعندما تسألهم عن سبب ذلك التصرف يكون القول : ( لأنها أهملت في واجباتها الشرعية ) ، ولكن هل فكر أحدكم يوماً من الأيام عن الحكم في خدمة الزوجة لزوجها من الناحية الشرعية ؟ هل يجب على المرأة (شرعاً) الطبخ لزوجها ؟ أو تنظيف البيت أو الملابس ؟ جمهور العلماء يقولون إنه لا حق للزوج على زوجته في هذه الأمور ، إلا أن تقوم بها مختارة دون إلزام ، فهل هذا صحيح ؟
نص الجواب


الحمد لله
اختلف الفقهاء في وجوب خدمة الزوجة لزوجها ، فذهب الجمهور إلى أنه لا يجب عليها ذلك ، وذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب .
جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (19/44) : " لا خلاف بين الفقهاء في أن الزوجة يجوز لها أن تخدم زوجها في البيت ، سواء أكانت ممن تخدم نفسها أو ممن لا تخدم نفسها .
إلا أنهم اختلفوا في وجوب هذه الخدمة :
فذهب الجمهور ( الشافعية والحنابلة وبعض المالكية ) إلى أن خدمة الزوج لا تجب عليها لكن الأولى لها فعل ما جرت العادة به .
وذهب الحنفية إلى وجوب خدمة المرأة لزوجها ديانةً لا قضاءً ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قَسَّم الأعمال بين علي وفاطمة رضي الله عنهما ، فجعل عمل الداخل على فاطمة ، وعمل الخارج على علي ، ولهذا فلا يجوز للزوجة - عندهم - أن تأخذ من زوجها أجرا من أجل خدمتها له .
وذهب جمهور المالكية وأبو ثور ، وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني ، إلى أن على المرأة خدمة زوجها في الأعمال الباطنة التي جرت العادة بقيام الزوجة بمثلها ؛ لقصة علي وفاطمة رضي الله عنها ، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت ، وعلى علي بما كان خارج البيت من الأعمال ، ولحديث : ( لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، ولو أن رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود ، ومن جبل أسود إلى جبل أحمر لكان نولها [حقها] أن تفعل ) . قال الجوزجاني : فهذه طاعته فيما لا منفعة فيه فكيف بمؤنة معاشه .
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر نساءه بخدمته فيقول : يا عائشة أطعمينا ، يا عائشة هلمي المدية واشحذيها بحجر . 
وقال الطبري : إن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز ، أو طحن ، أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج ، إذا كان معروفا أن مثلها يلي ذلك بنفسه " انتهى .

وجاء فيها (30/126) أيضاً في بيان مذهب المالكية السابق : " ... إلا أن تكون من أشراف الناس فلا تجب عليها الخدمة ، إلا أن يكون زوجها فقير الحال " انتهى .
ويتأكد القول بلزوم الخدمة على المرأة إذا جرت العادة به ، وتزوجت دون أن تشترط ترك الخدمة ، لأن زواجها كذلك يعني قبولها الخدمة ؛ لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا .
وقد رجح جماعة من أهل العلم القول بوجوب خدمة الزوجة لزوجها وذكروا أدلة ذلك .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
"وتجب خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله ، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال ، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية ، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة . وقاله الجوزجاني من أصحابنا وأبو بكر بن أبي شيبة" انتهى .
"الاختيارات" ص 352 .
وقال ابن القيم رحمه الله : " فصل : في حكم النبي صلى الله عليه وسلم في خدمة المرأة لزوجها : 
قال ابن حبيب في "الواضحة" : حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين على بن أبى طالب رضي الله عنه ، وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها حين اشتكيا إليه الخدمة ، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة ، خدمة البيت ، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة ، ثم قال ابن حبيب : والخدمة الباطنة: العجين ، والطبخ ، والفرش ، وكنس البيت ، واستقاء الماء ، وعمل البيت كله .
في الصحيحين : أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى ، وتسأله خادما فلم تجده ، فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها ، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته قال علي : فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا ، فذهبنا نقوم ، فقال : ( مكانكما ، فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على بطني ، فقال : ألا أدلكما على ما هو خير لكما مما سألتما ؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين ، واحمدا ثلاثا وثلاثين ، وكبرا أربعا وثلاثين ، فهو خير لكما من خادم . قال علي : فما تركتها بعد ، قيل : ولا ليلة صفين ؟ قال : ولا ليلة صفين ) .
وصح عن أسماء أنها قالت : كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله ، وكان له فرس وكنت أسوسه ، وكنت أحتش له ، وأقوم عليه .
وصح عنها أنها كانت تعلف فرسه ، وتسقى الماء ، وتخرز الدلو وتعجن ، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ .
فاختلف الفقهاء في ذلك ، فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت ، وقال أبو ثور : عليها أن تخدم زوجها في كل شيء .
ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها في شيء ، وممن ذهب إلى ذلك مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأهل الظاهر ، قالوا : لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع ، لا الاستخدام وبذل المنافع ، قالوا : والأحاديث المذكورة إنما تدل على التطوع ومكارم الأخلاق ، فأين الوجوب منها ؟
واحتج من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه ، وأما ترفيه المرأة ، وخدمة الزوج ، وكنسه ، وطحنه ، وعجنه ، وغسيله ، وفرشه ، وقيامه بخدمة البيت ، فمن المنكر ، والله تعالى يقول : (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) البقرة/228 ، وقال : ( الرجال قوامون على النساء ) النساء/34 ، وإذا لم تخدمه المرأة ، بل يكون هو الخادم لها ، فهي القوامة عليه .
وأيضا: فإن المهر في مقابلة البضع ، وكل من الزوجين يقضي وطره من صاحبه ، فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها ، وما جرت به عادة الأزواج .
وأيضا : فإن العقود المطلقة إنما تنزّل على العرف ، والعرف خدمة المرأة ، وقيامها بمصالح البيت الداخلة ، وقولهم : إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعا وإحسانا يردّه أن فاطمة كانت تشتكى ما تلقى من الخدمة ، فلم يقل لعلى : لا خدمة عليها ، وإنما هي عليك ، وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابى في الحكم أحدا ، ولما رأى أسماء والعلف على رأسها ، والزبير معه ، لم يقل له : لا خدمة عليها ، وإن هذا ظلم لها ، بل أقره على استخدامها ، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية ، هذا أمر لا ريب فيه .
ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة ، وفقيرة وغنية ، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها ، وجاءته صلى الله عليه وسلم تشكو إليه الخدمة ، فلم يشكها ، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المرأة عانية ، فقال : ( اتقوا الله في النساء ، فإنهن عوانٍ عندكم) ، والعانى : الأسير ، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده ، ولا ريب أن النكاح نوع من الرق ، كما قال بعض السلف : النكاح رق ، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته ، ولا يخفى على المنصف الراجح من المذهبين ، والأقوى من الدليلين " انتهى من "زاد المعاد" (5/186) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " أما خدمتها لزوجها فهذا يرجع إلى العرف ، فما جرى العرف بأنها تخدم زوجها فيه وجب عليها خدمته فيه ، وما لم يجرِ به العرف لم يجب عليها ، ولا يجوز للزوج أن يلزم زوجته بخدمة أمه أو أبيه أو أن يغضب عليها إذا لم تقم بذلك ، وعليه أن يتقي الله ولا يستعمل قوته ، فإن الله تعالى فوقه ، وهو العلي الكبير عز وجل ، قال الله تعالى : ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ) " انتهى من "فتاوى نور على الدرب".
وقال في "الشرح الممتع" (12/441) : " والصحيح أنه يلزمها أن تخدم زوجها بالمعروف " انتهى .
وسئل الشيخ ابن جبرين حفظه الله : هل من الواجب على الزوجة أن تطبخ الطعام لزوجها ؟ وإن هي لم تفعل ، فهل تكون عاصية بذلك ؟
فأجاب : "لم يزل عُرْف المسلمين على أن الزوجة تخدم زوجها الخدمة المعتادة لهما في إصلاح الطعام وتغسيل الثياب والأواني وتنظيف الدور ونحوه ، كلٌّ بما يناسبه ، وهذا عرف جرى عليه العمل من العهد النبوي إلى عهدنا هذا من غير نكير ، ولكن لا ينبغي تكليف الزوجة بما فيه مشقَّة وصعوبة ، وإنما ذلك حسب القدرة والعادة ، والله الموفق " انتهى من "فتاوى العلماء في عشرة النساء" ص 20 .
وبهذا يتبين أن الراجح وجوب الخدمة بالمعروف ، وأن المرأة مطالبة بالعمل في البيت ، كما أن الرجل مطالب بالعمل والكسب خارجه .
ومن تمسك بقول الجمهور في نفي وجوب الخدمة ، قيل له : والجمهور لا يوجبون على الزوج علاج زوجته إذا مرضت ، وعللوا ذلك بأن العلاج ليس حاجة أساسية ، أو بأن النفقة إنما تكون فيما يقابل المنفعة ، والتداوي إنما هو لحفظ أصل الجسم .
ولكن من نظر إلى كون العلاج أصبح حاجة أسياسية في هذا العصر ، تبين له رجحان القول بوجوب معالجة الزوج لزوجته  .
وإذا لم تقم الزوجة بأعمال البيت ، فمن الذي سيقوم بها ؟ والزوج مشغول سائر يومه بالكسب ، وأكثر الناس لا يستطيع دفع أجرة للخادمة .
ولو أن النساء امتنعن عن الخدمة ، لأعرض الرجال عن الزواج منهن ، أو اشترطوا عليهن الخدمة في عقد النكاح ، ليزول الإشكال .

والله أعلم .





خطوات التعليم التسعة لـ غانغ


خطوات التعليم التسعة لـ غانغ

يُعتبر روبرت غانغ الباحث الأول والأكثر مساهمة للنظرة المنهجية الخاصة بتصميم التعليم والتدريب، ويُعرف هو وأتباعه بأصحاب المنهج السلوكي أو السلوكيين حيث أنهم يُركزون على النتائج أو على الأفعال التي تنتج من التدريب.
 

لقد حدد كتاب غانغ "شروط التعلم" (The Conditions of Learning 1965) حالات التعلم العقلية، والتي استندت على نموذج معالجة معلومات خاص بالأحداث العقلية التي تحدث عندما يتم عرض عدة محفزات على المتدربين البالغين. ابتكر غانغ عملية مؤلفة من تسعة خطوات تدعى أحداث التعليم (أو خطوات التعليم). تظهر القائمة بالأسفل: الأحداث في اليمين والعمليات العقلية الموافقة لها على اليسار:

نتيجة / حدث تعليمي:


1ـ اجذب الانتباه
2ـ أخبر المتدربين بالأهداف
3ـ ذكر بالمعلومات السابقة
4ـ اعرض المضمون
5ـ قدم الإرشادات "دليل التعلم"
6ـ استنبط الأداء (ممارسة)
7ـ قدم التعليقات (التغذية الاسترجاعية)
8ـ قيّم الأداء
9ـ عزز عملية الحفظ والنقل إلى مجال العمل

عملية عقلية داخلية :


1ـ المحفزات تنشط المستقبلين
2ـ مما يخلق مستوى من التعلم المتوقع
3ـ يتم استرجاع وتنشيط للذاكرة قصيرة الأمد
4ـ يساهم في فهم انتقائي للمحتوى
5ـ ترميز/تشفير معنوي في الذاكرة طويلة الأمد
6ـ تقديم أجوبة للأسئلة: للتعزيز وللتأكد من حدوث التعلم
7ـ تعزيز وتقييم الأداء الصحيح
8ـ استرجاع وتعزيز المضمون كتقييم نهائي
9ـ استرجاع وتعميم المهارة المُتعلَمة في ظروف جديدة

1ـ اجذب الانتباه


ليتم حدوث التعلم عليك أولاً جذب انتباه المتدربين.فالبرنامج التدريبي الذي يبدأ باستخدام شاشة متحركة مصحوبة بمؤثرات صوتية أو بموسيقا مباغتة يجذب المتدربين سمعياً و مرئياً.هناك طرق عديدة لجذب الانتباه منها مثلاً البدء بسؤال محير (محفز للتفكير) أو بذكر حقيقة مثيرة للانتباه تحفز فضول المتدربين على التعلم.

2ـ أخبر المتدربين بالأهداف


ينبغي أن يطلع المتدربون باكراً وفي كل درس على الأهداف التعليمية، فهذا يساعد في عملية التوقع الداخلية للمتدربين، ويساعد في التحفيز على إكمال الدرس. ينبغي أن تشكل هذه الأهداف أساساً للتقييم فيما بعد وأساساً لمنح الشهادة أيضاً. يتم عرض الأهداف التعليمية بالشكل التالي: "بعد إتمام هذا الدرس ستكون قادراً على…".

3ـ ذكّر بالمعلومات السابقة


إن ربط المعلومات الجديدة مع معرفة المتدربين المُسبقة سيسهل العملية التعليمية. حيث أنه من الأسهل على المتدربين القيام بترميز وخزن المعلومات المُقدمة لهم ضمن الذاكرة (طويلة الأمد) عندما تتوفر صلات أو روابط بينها وبين تجاربهم الشخصية أو معارفهم. يعتمد تحفيز الاستذكار على طرح أسئلة حول تجارب سابقة أو حول فهم المفاهيم السابقة أو حول فهم المحتوى.

4ـ أعرض المضمون


يحدث عندما يتم عرض المضمون الجديد على المتدربين. ينبغي تقطيع وتنظيم المحتوى بشكل ذو مغزى، بشكل يلبي أنماط التعلم المختلفة. ينبغي استخدام وسائل متعددة إن أمكن من ضمنها النصوص والصور والأصوات والرسوم البيانية والفيديو.

5ـ قدم الإرشادات "دليل التعلم"


لمساعدة المتدربين على ترميز المعلومات في الذاكرة طويلة المدى، ينبغي تقديم إرشادات إضافية مصحوبة بعرض المحتوى بشكل آخر. تتضمن استخدام أمثلة ودراسة حالات، عرض رسوميات والقيام بمناظرات إذا تطلب الأمر.... وغيرها.

6ـ استنبط الأداء (ممارسة)


حيث يُطلب من المتدرب ممارسة المهارة الجديدة أو السلوك الجديد. يقدم استنباط الأداء فرصة للمتدربين لإثبات مدى فهمهم وصحته، وبنفس الوقت فإن التكرار يزيد من عملية الحفظ.

7ـ قدم التعليقات (التغذية الاسترجاعية)


عندما يقوم المتدربون بممارسة سلوك جديد، سيكون من المهم عندها تقديم تغذية راجعة فورية لهم عن أدائهم. ينبغي استخدام التمارين مع شرح وافٍ عنها وذلك لفهم الغاية منها. تدعى الأسئلة والتوجيهات المرافقة ضمن هذه المرحلة: التغذية الاسترجاعية الإخبارية.

8ـ قيّم الأداء


بعد إتمام النماذج التعليمية ينبغي إعطاء المتدربين فرصة للتقييم النهائي. ينبغي إكمال هذا التقييم دون الحاجة لأي تدريب لتدريب إضافي أو تغذية راجعة أو تلميحات.... ويتم التأكد من إجادة المتعلم المادة. يتم الحصول على الشهادة بعد تحقيق معدل معين من الدرجات، وعادة ما تكون النسبة المقبولة هي 80 إلى 90 % للتعبير عن الأداء الصحيح.

9- عزز عملية الحفظ والنقل إلى مجال العمل


إن تقرير صحة فيما إذا كانت المهارات المُتعلمة ضمن برنامج تدريب ما يتم تطبيقها في العمل يظل لغزاً محيراً لمدراء التدريب. تمتلك البرامج التدريبية الفعّالة تركيزاً على "الأداء" وتركيزاً على دمج التصميم والوسائل بشكل يُسهّل من عملية حفظ ونقل المعلومات لتطبيقها لاحقاً في العمل. يعد تكرار المفاهيم التي تم تعلمها من الوسائل المُجربة للمساعدة في الاستذكار والحفظ ونقل المعلومات على الرغم من عدم تقبل المتدربين لها غالباً (كان يوجد سبباً لكتابة بعض الكلمات عشرات المرات في المراحل الابتدائية والإعدادية). ومن الوسائل المساعدة هناك المراجع والمطبوعات واللوائح.

إن أفضل طريقة مبسطة لضمان حدوث التعلم هو تطبيق نموذج الخطوات التسع لغانغ، فالبرنامج الذي يقدم تسهيلات دخول إلى وثائق إلكترونية ضمن الشبكة العنكبوتية ليس ببديل عن التصميم التعليمي، قد يقوم هكذا برنامج بتسلية المتدرب أو قد يكون قيّماً كمرجع ولكنه لن يزيد من فعالية المعلومات المُعَالَجة، وبذلك لن يحدث التعلم. تستطيع الاطلاع على مثال تطبيقي من خلال الملف المرفق: مثال عملي حول تطبيق خطوات غانغ التسع في التعلم الإلكتروني.

الأحد، 4 نوفمبر 2018

العزلة

بسم الله الرحمن الرحيم ..

لله الحمد من قبل ومن بعد .. حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه .. وعلى الحبيب محمد أفضل صلاة وأتم تسليم وعلى آله والصحب ومن اقتفى الأثر .. وبعد .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرغبة في الانعزال والابتعاد عن المجتمع .. إحساس صار يراود الكثير في الآونة الأخيرة .. لماذا ؟ وأين الحل ؟
هذه محاولة أولى لدغدغة المشكلة فإن أصبت فمن الله وحده وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان .
س1 : لماذا نفكر في الانعزال أو قل [نَحِنُّ للوحدة] ؟
هي أسباب كثيرة لكني أورد منها ما كان الأكثر وسط من شكونه ..
1. الإحساس بالنفاق أو الرياء .
2. قسوة القلب واحتضاره واشتياقه للرقة و الهداية .
3. يفكر المرء أن البشر هم سبب ضعفه وأن صلاحه سيكون في العزلة [وإن مؤقتاً] .
4. التعرض لمواقف سيئة متتالية من بعض بني البشر [الصدمات وجراح القلوب]
5. كثرة المدح من الآخرين مما يشعره أنهم [سبب فساد قلبه] .

س2 : هل للعزلة أصل شرعي ؟

وأتحدث هنا ليس عن أن يختلي المرء بنفسه ساعات في اليوم وإنما العزلة التي تكون لأيام وأكثر .. 

نعم لها أصل شرعي فهي واردة في موضوعين : 

1. الاعتكاف وأكثر ما جاء فيه [20 يوما] وهو ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر رمضان له .. وفي الحقيقة أن الاعتكاف في عصرنا الحالي صار ضرورة ملحة .. وحتى المرأة إن لم يكن بمقدورها الاعتكاف فعلى الأقل تقلل الخلطة قدر ما تستطيع في هذه العشر ، فإن الاعتكاف للمرء ك [العَمْرَة للسيارة] يحتاجه المرء ليشحن بطاقة تمدّه لعام كامل .. 2. العزلة في أوقات الفتن وهو ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : [وليسعك بيتك ..] وأصل الحديث أن عقبة رضي الله عنه سأله يا رسول الله ما النجاة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم " أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك " رواه الترمذي وقال حسن وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب .. وهذا باب طويل ليس بي طاقة لطرقه [ باب الفتن ومتى يكون الاعتزال] فمن أرادت فلتراجع كتب أهل العلم في هذا الباب والله المستعان .
* إن الأسباب التي ذكرت في حقيقتها أغلبها يُخطأ المرء تقدير الأمور ، أو بمعنى أدق أنه يحاول التهرب من نفسه الضعيفة ويبرر أخطائها فيلقي باللوم على الآخرين كما في السببين 3 و5 ، وقد يبقى المرء حبيسا لرغبته الملحة بالانعزال والتي تكاد تكون مستحيلة مع وجود الدراسة أو الوظيفة والمتطلبات الأسرية .. الخ ..
* إذاً ؟!!
هذه بعض التوجيهات التي تقي المرء من تلك الرغبة وحتى إن وقع فيها بهذه الوصايا يمكنه العلاج بإذن الله .. أقول مستعينة بالله – واستسمحكم عذرا لاستفاضتي- :
- " وما قدروا الله حق قدره " إن الله جلّ وعلا حكيم عليم خلقنا فأحسن خلقتنا وشرع لنا من التشاريع ما يكون به استقامة حالنا ولكنّا أهملنا فبتلينا بما ابتلينا .. حسناً وما دخل هذه الآية هنا ؟ .. حقيقة الأمر أن في شريعتنا عدة أوقات في اليوم للخلوة والانعزال والبعد عن المجتمع ولكنّا لا نؤديها وإن أديناها فببال منشغل فلا تتحقق الخلوة فيبقى الإنسان في دوامة الحياة بلا خلوة حتى يصاب بما يمكن تسميته [هوس الخلطة الذي يودي به إلى الرغبة في الانعزال وكلا طرفي الأمور ذميم] ومن هذه الأوقات –اليومية- والتي لو حقا قدرنا ربنا سبحانه وعظمناه لكفتنا :
1. الصلوات الخمس وسننها القبلية والبعدية وأذكارها .. وهذه التي يتحقق فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " تحترقون تحترقون فإذا صليتم الصبح غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها " صحيح الترغيب والترهيب للألباني ، لو أقيمت بخشوع وحضور قلب وسكون الجوارح لكانت كافية لإزالة ما تعلق بالعقل والقلب من مشاكل ما بين الصلاتين .. مع كونها كفارة .. وإنه لمن حسن التأدب مع الله جلّ وتبارك وتعالى سبحانه سكون الأطراف وعدم التحرك أثناء الصلاة وخشوع الظاهر يورث خشوع الباطن والعكس بالعكس ألم يقل عمر رضي الله عنه ( لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ) .
2. أذكار الصباح والمساء .. وهذه هي وقت خلوة حقا كأنهما وجبتي الإفطار و العشاء لقلب العبد ولو تدبرنها لكان الحال غير حين تقول [ الله بك أصبحت ، وبك .. ، وبك .. ] تفكر في كلمة بك .. و [ اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك .. ] وتتذكر نعم الله عليك وتستحضرها ثم ما في هذه الأذكار من اعتراف بالقصور وطلب العون من الله والتوكل عليه كـ سيد الاستغفار و [ .. ولا تكلني إلى نفسي ..] و [ حسبي الله ... ] ووحدها تحتاج أن تفرد بموضوع الخلاصة أن العبد لو حرص على أن يصلي الفجر ثم يجلس مع الأذكار واعيا متدبرا لكانت وجبة دسمة تعينه على يومه وكذا لو جلس قبيل المغرب وأنطق قلبه بتلك الأذكار ثم صلى المغرب ..
3. الثلث الأخير من الليل [ وقيام الليل عموما ] .
- تصحيح مفهوم الحب في الله عندنا ومعرفة حقوق الأخوة وواجباتها وان تكون عونا لنا على الطاعة لا على الرياء والنفاق ووضع ضوابط تحددها الأخوات سويا كلا تعرف من أين يؤتى قلبها ويضعف فمن كانت تضعف أمام المدح ويودي بها للعجب ومن ثم الكبر عياذا بالله تمنع أخواتها من مدحها وتغاضبهن إن فعلن فنحن نتآخى لننصلح لا ليفسد بعضنا بعضا ، ولعلي أذكر ها هنا موقف رائع لشعيب بن حرب مع الفضيل بن عياض رحمهما الله .. يقول شعيب رحمه الله : بينا أنا في الطواف إذ لكزني إنسان بمرفقه ، فالتفت إليه، فإذا هو الفضيل بن عياض ، فقال: يا أبا صالح، إن كنت تظن أنه شهد الموسم شر مني ومنك فبئس ما ظننت !! عليهما رحمة الله الواسعة ونشهد الله على حبهما .. فانظر كيف حرص على أن يحفظ قلب أخاه ويعظه ، والمواقف كهذه كثيرة في سير السلف .. فمن منّا الآن تقول لأختها مثل هذا ؟!! إذاً مراجعة العلاقات الأخوية ..

- وهذه النقطة تابعة للأولى ولأهميتها أفردتها : تدبر القرآن العظيم ألم يقل ربي سبحانه وتعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " سورة يونس أقول ولو آية واحدة في اليوم تقرئين تفسيرها وتعينها وتتدبرينها ومن ثم ترددينها ، فإن القلوب صدأه جلائها كتاب الله والتكرار كالفرك لتلك القسوة أن تزول بفضل الله وحده .. 

- القراءة اليومية أو الأسبوعية في سير السلف الصالح وفي أحوال القلوب وأدوائها ومكائد الشيطان ومداخله .. ولعلي أذكر هنا طائفة من الكتب فابدئي بأيها شئت :

1. في تراجم السلف " صفة الصفوة " لابن الجوزي رحمه الله . مع التنبه لبعض ما فيه .
2. في مصائد الشيطان وأمراض النفس " الداء والدواء " لابن قيم الجوزية رحمه الله .
3. في أحوال القلوب ، كتاب جِدّ رائع : " التحفة العراقية في الأعمال القلبية " أيضا لابن قيم الجوزية رحمه الله .
4. وفيها أيضا كتب معاصرة لطيفة وخفيفة كثيرة وطيبة ولكن تأكدي من سلامة معتقد الكاتب قبل أن تتحصلي على أي منها ومن أجمل ما قرأته " تزكية النفوس " للشيخ أحمد فريد و تهذيب الوابل الصيب .
5. الخطة البراقة لذي النفس التواقة لدكتور صلاح الخالدي [كتاب أكثر من رائع] .
6. والمحاضرات الوعظية من الشيوخ الذين يتحرك قلبك منهم فلو جعلت لك محاضرة أسبوعية ثابتة لتحيي بها قلبك بإذن الله ، تتخولين بها نفسك كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة ، ولعل من أشهر من تتحرك القلوب لسماع مواعظهم – ويختلف باختلاف السامع فلكل ذوقه – الدعاة الأفاضل : ( إبراهيم الدويش ، عبد المحسن الأحمد ، خالد الراشد ، الشيخ محمد الشنقيطي ، محمد يعقوب ، نبيل العوضي ، حازم شومان ، ) وغيرهم كثيرون .. فانظري ما يناسبك .

- حفظ اللسان والإقلال من الخلطة عموما تكن مع الناس جسدا وقلبك لا يفارق المحراب وتذكر قول الله تعالى في سورة الأحزاب " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا " وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصى .. 
نورد منها من باب الذكرى : 
 " إن من أحبكم إلي و أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا و إن أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون و المتشدقون و المتفيهقون ، قالوا : قد علمنا " الثرثارون و المتشدقون " فما " المتفيهقون ؟ " قال : المتكبرون " حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة . [ وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا ما نطقت به ألسنتهم ؟ ! فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ فليقل خيرا أو يسكت عن شر قولوا خيرا تغنموا واسكتوا عن شر تسلموا ] السلسلة الصحيحة .
ومن أرادت الاستزادة فلترجع لكتاب الصمت وآداب اللسان لابن أبي الدنيا ففيه عجائب تشيب الثرثارون عافانا الله وإياكم .. وأُلْحِقُ بهذه الأخيرة المحافظة على الوقت والحرص على استثماره في أبواب الخير التي يفتحها الله على العبد .
* ختاما أخي الحبيب .. لا تفتر همتك عن سؤال الله والتذلل له استعانة وتوكل عليه لا أشغل الله قلبي وقلبك بغيره سبحانه .. اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدنا لأحسنها إلا أنت وأصرف عنا شرها لا يصرف عنا شرها إلا أنت .. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ , وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
* وأخيرا .. همسة مُحِبّ : 
عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال : في حكمة آل داود ( حق على العاقل أن لا يشتغل عن أربع ساعات :
ساعة يناجي ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه
وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ، ويصدقونه عن نفسه
وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل
فإن هذه الساعات : عون على هذه الساعات ، وإجماع للقلوب
وحق على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه ، حافظاً للسانه ، مقبلاً على شأنه . 


وصفة إرشادية لـ (عزلة شرعية)

كثيراً ما نشعر بأعباء الحياة، ومشاغلها ومشاكلها، ولربما تأتينا ساعات لا يحب أحدنا أن يجلس فيها إلاَّ مع نفسه، خصوصاً حينما يشعر بعدم الارتياح في مخالطته للناس، أو وقوع الأذى عليه منهم، أو كثرة الابتلاءات التي تواجهه في حياته، فيكون راغباً بالعزلة، مستأنساً مع نفسه، مبتعداً عن أعين المخلوقين.
ومع تسليمي بأنَّ مخالطة الناس في الأعمال الواجبة شرعا كالصلاة والحج والزكاة، لا سبيل لتركها ألبتة فهي من أركان الدين التي لا يقوم الدين إلاَّ بها، وكذلك فإنَّ مخالطة الناس للدعوة إلى الله أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو مجال العمل أو الوظيفة أو ذهاب المرء لقضاء حوائجه أو حوائج الآخرين التي لا بد منها فلكل ذلك مكانة عالية في الشريعة.
ومن جوانب مخالطة الناس المفيدة: مساعدتهم والصبر عليهم فلذلك أجر جزيل، فعن أبي مسعود عقبة بن عمرو، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : (حوسب رجل ممن كان قبلكم . فلم يوجد له من الخير شيء . إلا أنه كان يخالط الناس . وكان موسرا . فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر . قال : قال الله عز وجل : نحن أحق بذلك منه . تجاوزوا عنه)([1]).
ولذلك فإنَّ مخالطة الناس والقيام بشؤونهم، والصبر عليهم، ولو حصل منهم على الشخص نوع من الأذى الذي يلحقه، فإنَّ ذلك خير مِمَّن اعتزلهم كليَّة خشية أذاهم، انطلاقاًَ من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)([2]).
بيد أنَّه من الجميل لطالب العلم أو الداعية أن يكون له وقت طويل في العام يبتعد فيه عن دنيا الناس مطلقاً إلا لواجب شرعي أو حياتي، ويقضي وقته ذاك خالياً مع ربه ومحاسباً لنفسه، فـ:(لابد للعبد من أوقات يَنْفَرِدُ بِهَا بِنَفْسِهِ فِي دُعَائِهِ وَذِكْرِهِ وَصَلَاتِهِ وَتَفَكُّرِهِ وَمُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وَإِصْلَاحِ قَلْبِهِ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَشْارَكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ فَهَذِهِ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى انْفِرَادِهِ بِنَفْسِهِ ؛ إمَّا فِي بَيْتِهِ ، كَمَا قَالَ طاوس : نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ يَكُفُّ فِيهَا بَصَرَهُ وَلِسَانَهُ ، وَإِمَّا فِي غَيْرِ بَيْتِهِ . فَاخْتِيَارُ الْمُخَالَطَةِ مُطْلَقًا خَطَأٌ وَاخْتِيَارُ الِانْفِرَادِ مُطْلَقًا خَطَأٌ . وَأَمَّا مِقْدَارُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ هَذَا وَهَذَا وَمَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ فَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ خَاصٍّ كَمَا تَقَدَّمَ )([3]).
يقول الإمام الخطابي رحمه الله : (ولسنا نريد - رحمك الله - بهذه العزلة التي نختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات، وترك حقوقهم في العبادات، وإفشاء السلام ورد التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، وصنائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سبيلها، ما لم يحل دونها حائل شغل ولا يمنع عنها مانع عذر‏)([4]).
إذا تقرَّر ذلك، فإنَّ ترك فضول مخالطة الناس الزائدة عن حدها هو السبيل القويم لإصلاح القلب، وارتقاء الروح، وغذاء العقل، وتزكية النفس.
ولذا حبَّذت شريعة الإسلام الاعتكاف في أواخر رمضان، للمسلمين الصائمين؛ وذلك لكي تحلق الروح مع أجواء الإيمان، وتبتعد النفس عن أحاديث الإنسان، وتنقطع العلائق عن الخلائق للتفرغ لعبادة الخالق، ومع هذا فلقد صرنا نلحظ قلَّة المهتمين بإحياء هذه السنَّة المهجورة من أكثر المسلمين.

ولعل مما يعين على عزلة شرعية ما يلي:

(مناجاة الله تعالى والخلوة معه)


وذلك في كل صباح ومساء وترطيب اللسان بذكره، وليكن لك ورد في قيام الليل ابتغاء وجه ربك وشوق المشتاق لرؤيته... فابتعد عن نظر الناس جميعا في عبادتك حتى من أهلك؛ لكي تستشعر حلاوة المناجاة، ولذَّة التعبد، وبرد اليقين، والطمأنينة بعبادة رب العالمين، وتذكَّر حديث السبعة الذين يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظل إلا ظله وقد ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنّ منهم: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)([5]).
ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا * سر أرقُّ من النسيم إذا سرى
ولعلَّك تشعر بالأنس بالله، وحلاوة الحديث إليه، والانكباب على طاعته، فلعمر الله لا أجمل ولا أحلى ولا أبهى ولا أرقى من ساعات خلوة تناجي بها رب العباد، وتدع الناس وحالهم في حالهم، وتتمثَّل بأبيات من الشعر قالها أحد الصالحين:
دعوني أناجي مولى جليلاً * إذا الليل أرخى عليَّ السدولا
نظرت إليك بقلب ذليل * لأرجو به يا إلهي القبولا
يقول ابن رجب رحمه الله: (وجدتُ أكثرهم لا يقوى على مخالطة الخلق فهو يفر إلى الخلوة ليستأنس بحبيبه ، ولهذا كان أكثرهم يطيل الوحدة .
وقيل لبعضهم : ألا تستوحش ؟ قال : كيف أستوحش وهو يقول : أنا جليس من ذكرني ؟.
وقال آخر : وهل يستوحش مع الله أحد ؟.
وكان يحيى بن معاذ كثير العزلة والانفراد فعاتبه أخوه فقال له : إن كنت من الناس فلا بد لك من الناس، فقال : يحيى : إن كنت من الناس فلا بد لك من الله)([6]).
إنَّ خلوتك مع الله، تعطيك قيمة نفسك، وتشعرك بمدى تقصيرك معه سبحانه وتعالى، فأنت تقبل على الناس ولربما تنسى الإقبال على ربك، وتطلب من الناس وتغفل عن الطلب من إلهك، وتتودد للبشر وقد نسيت التودد لربك(الودود)، وتشتكي للخلق أحوالك فلم يفيدوك وتذهب تلاحق الكثيرين منهم وقد يجفونك، وربك تعالى يناديك ويقول لك: (من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ ومن يستغفرني فأغفر له ؟) ونحن جيمعاً غافلون عن ذلك.
يقول الإمام ابن القيم: (إذ استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرح الناس بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنس الناس بأحبائهم فأنس أنت بالله، وإذا ذهب الناس إلى ملوكهم وكبرائهم يسألونهم الرزق ويتوددون إليهم فتودد أنت إلى الله)([7]).
فما أحرانا أن تكون لنا مجالس نخلو بها مع ربنا تبارك وتعالى ، لمزيد من الحسنات، واستغفاراً لربنا حينما نقترف السيئات، وما أجمل ما قاله مسروق الأجدع رحمه الله: (إن المرء لحقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها يتذكرُ ذنوبَه ويستغفر منها)([8]).
إنَّ من أكبر أسباب صلاح القلب طاعة الله تعالى في السر، حيث لا يراك إلا هو، فلن يقع في قلبك شيء من الرياء والغرور، بل أنت تتذلل بين يديه، وتنكسر إليه، وتخضع وتلجأ إليه، وتستشعر صلاح قلبك بالخلوة بربك، كما قال حذيفة المرعشي رحمه الله القائل: (إن أطعت الله في السر أصلح قلبك، شئت أم أبيت)([9])!
كم من شخص يصلي؟!
وكم من رجل يحج ويعتمر ويتصدق وينفق؟!
لكنَّ القليل منهم من يجد في نفسه طعم الافتقار إلى الله، والانكسار بين يديه، مع أنَّنا فقراء إليه.
فالله تعالى يقول:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْـحَمِيدُ) [فاطر: 15]. ونبي الله موسى عليه الصلاة والسلام يعترف بذلك أمام ربه ويقول: (رَبِّ إنِّي لِـمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ" [القصص: 24].
وحينما يربط العبد نفسه بربه عبر هذا الطريق، ويعرف أنَّ طريق الافتقار إليه (حقيقة العبوديَّة ولبّها)([10])، فيتذلل العبد إلى ربه ويتودد، لسان حاله:
يا رب عبدك قد أتاك وقد أساء وقد هفا
يكفيه منك حياؤه من سوء ما قد أسلفا
حمل الذنوب على الذنوب الموبقات وأسرفا
وقد استجار بذيل عفوك من عقابك ملحفا
يا رب فاعف وعافه فلأنت أولى من عفا
يتحدث الإمام ابن قيم الجوزية عن بعض العارفين فيقول: (دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام فلم أتمكن من الدخول حتى جئت باب الذل والافتقار فإذا هو أقرب باب إليه، وأوسعه ولا مزاحم فيه ولا معوق فما أن وضعت قدمي على عتبته فإذا هو سبحانه أخذ بيدي وأدخلني عليه)([11]).

(القراءة والمطالعة)


جلوسك مع الكتاب، ولو على تراب، خير لك من كثير من الأصحاب، فأنت حينما تقرأ في علوم العلماء، وحِكم الحكماء، تستطعم تلك الساعات الرائعة التي لا يقدرها من لا يعرفها، ويفرط بها كثير مِمَّن يعرفها، ولربما يستأنس الشخص أو يُقنع نفسه بأنَّ جلوسه مع بعض الفارغين لتسلية نفسه قد يجد بها أنسأً وراحة، فما إن ينقلب لبيته حتَّى يشعر بتأنيب الضمير، وتقريع الذات، ويتمنَّى لو أنَّه بقي في مكانه، ولم تستدرجه نفسه للنزول لذلك المنزل الذي أضاع وقته فيه.
وكم كان الإمام ابن المبارك فقيهاً حينما تحدَّث بعض الناس معه قائلين له: (ما لك لا تجالسنا؟! فقال: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين وأشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه. ومتى رزق العالم الغنى عن الناس والخلوة، فإن كان له فهم يجلب التصانيف فقد تكاملت لذة. وإن رزق فهما يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات)([12]).
وإنَّ خير ما يقرؤه الشخص ويخلو به لمرضاة ربه، مطالعة كتابه تعالى فإنَّ القلوب المؤمنة، لا تنشط إلاَّ بمطالعة كلام الذكر الحكيم، والقرآن المبين، ففيه شفاء للصدور، وغذاء للروح، ومتعة للفكر، وغاية في التفقه، وهو كلام لا يمكن لأحد أن يباريه أو يجاريه، فهو كلام الرب الرحمن تبارك وتعالى، ولئن كانت أول كلمة نزلت على نبينا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم في القراءة بلفظ (اقرأ) فلقد كانت ذات دلالة على قراءة القرآن الكريم، الذي فرَّط بمطالعته أكثر المسلمين، ونخشى أن نكون كما قال تعالى: (وقال الرسول يا رب إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً).

(الاستماع للقرآن)


إنَّ المرء حين تنساب فيه روح الإيمان، ويتنسَّم عبيرها وعبقها، ويتذوق حلاوتها، يحب أنَّ يُجري ذلك على كثير من أعضاء جسده، ومنها : (استماع الأذن)، حيث يقوم الخالي مع نفسه، باستماع شيء من كلام الله تعالى، ولنا أسوة في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فعن عبدالله بن مسعود قال: "قال لي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر: (اقرأْ عليّ))، قلتُ: أَقْرَأُ عليك وعليك أُنْزل؟ قال: (إني أحبُّ أنْ أسمعَه من غيري)، فقرأتُ سورة النساء، حتى أتيتُ إلى هذه الآية: ( َكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء: 41] قال: (حَسْبُك الآن)، فالْتَفَتُّ إليه، فإذا عيناه تذرفان"([13]).
إنَّ الاستماع لآيات الذكر الحكيم، والأذكار اليوميَّة، والأدعية الثابتة الصحيحة، لتعطي للنفس بهجة، وللصدر سعة وانشراحاً، والقلب أنساً بالله، وهي تؤثر في الوجدان وتساعد في تحلية القلب بحب الله عزَّ وجل.
إنَّ لسماع آيات القرآن الكريم فوائد قد لا يتوقعها أحد وحتَّى تخفيف التوتر، وتهدئة النفوس من القلق والأرق، ولقد (أثبت ذلك الدكتور القاضي بعد سلسلة من التجارب الدقيقة التي أجراها في عيادات أكبر في فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية أن مجرد استماع المسلم لآيات من القرآن الكريم ـ سواء كان من المتحدثين باللغة العربية أو بغيرها ـ يأتي بجميع التغيرات الفسيولوجية الدالة على خفض التوتر والقلق ونزول السكينة وزيادة المناعة ضد الأمراض وغيرها من التغيرات التي فصلناها من قبل كنتائج باهرة لممارسة (التأمل الارتقائي). وأثبتت هذه التجارب التي استخدم فيها الدكتور القاضي أحدث أجهزة المراقبة الإلكترونية لضغط الدم وسرعة ضربات القلب وقوة شد العضلات ومقاومة الجلد للتيار الكهربائي، أن لتلاوة القرآن أثراً مهدئاً واضحاً في 97% من الحالات)([14]).

(تربية الأهل والأولاد من خلال عزلتك)


حينما تكون معتزلاً أغلب الخلق لربما تكون من أماكن عزلتك (بيتك الذي يؤيك) فإنَّهم حينما يشاهدونك وأنت في خلوتك مع ربك، قانتاً تائباً، ذاكراً مخبتاً منيباً، لن تذهب هذه (التربية الصامتة) سدى، ولن تضيع هدراً، فإنَّه لربما أثَّرت فيهم عبادتك في خلوتك مع ربك أكثر من محادثتك لهم مع أهميتها كذلك، وكم تحدَّث الأبناء عن كثير من آبائهم الصالحين حينما كانوا يفتقدونهم في أواخر الليل فيجدونهم وهم يصلون لربهم في جوف الليل، ويناجونه في روائع الأسحار، ويقرعون أبواب السماء بدعاء رب الأرباب، كل ذلك سيكون نموذجا للتربية مرسخاً في نفوس الأولاد.
ولعمر الله إنَّها التربية الفاعلة في قلوب أصحابها، وإنَّها لأجدى من مائة موعظة حينما يرى الابن أباه وهو في خلوته مع ربه يتضرع إليه ويتبتل، وتنثال الدموع من عينيه وتنهمر، وهو يقول: ربي، ربي: أرجو رحمتك، وأبتغي رضاك، فاغفر لي، و(هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرَّة أعين واجعلنا للمتقين إماما) إنَّ هذه التربية لن تضيع هدراً وسترسخ في قلب ذلك الولد ولو طالت السنين.
لقد ذكر عبد الله بن الإمام أحمد : رُبَّما سمعت أبي في السَّحَر يدعُو لأَقوام بأسمائهم، وكان يكثر الدُّعاء ويُخفيه، ويصلِّي بين العِشاءين ، فإذا صلَّى عِشاء الآخرة ، ركع ركعات صالحة، ثُمَّ يُوتر وينام نومة خفيفة، ثُمَّ يقومُ فيصلِّي وكانت قراءته لَيِّنة، رُبَّما لم أفهم بعضها، وكان يصوم ويُدمن، ثُمَّ يُفطرُ ما شاء اللهُ ، ولا يتركُ صوم الإثنَين والخمِيس وأيَّام البيض، فلمَّا رجع من العسكر، أدمن الصَّوم إلى أن ماتَ.([15])

(القيام بعبادة التفكر)


إطراق ساعة أو ساعات من التفكير الدائم في صنع الله ومخلوقاته وآياته وآلائه في هذا الوجود، والكون الفسيح، من أكبر فوائد وفضائل العزلة الشرعيَّة، ولك في هذا الوجود عبرة، من بعد إلقاء النظرة، قال تعالى:(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).....
(أيها المؤمن يا سعد الوجـود * أنت بالإيمان في الدنيا ملك
فاخلص النيـة لله الذي من * تراب الأرض هذي صورك
وافتكر في الكون وانظر وسعه * وتبصر يا أخي هذا الفلك)([16]).
عبادة التفكر في أحوال الأمة وآلامها وآمالها، إنَّها بحاجة لك أيها العابد الصالح المبصر لواقع أمَّتك، فأعط هذه الأمَّة من وقتك نصيباً في إصلاحها وكيفية النهوض بها، فلعلَّ الله تعالى يبعث منك قائداً يعزَّ الله به المسلمين، ويكون عوناً على طاعة الله ومرضاته، ولعلَّه تعالى يفتح عليك بما تفيد به دينك وأمتك، بعد الخروج من عزلتك الوقتية، فإنَّ هذه العزلة ستفيدك كثيراً في مجال دعوتك لاحقاً، مِمَّا تضفيه على نفسه من أنوار الحكمة وطلائعها.
لقد كان سلفنا الصالح ـ رحمهم الله ـ من أشدِّ الناس عناية بعبادة التفكر، والتشجيع عليه، فلقد صح عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنَّه قال :(تفكر ساعة خير من قيام ليلة)([17]).
والشافعي يوصي قائلا:(استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكر)([18]).
وحين قيل لإبراهيمَ بنِ أدهم: إنَّك تطيل الفكرة ؟ فأجاب: (الفكرة مخُّ العقل)([19]).
ويقول الحسن البصري: (ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، ويناطقون القلوب حتى نطقت)([20]).
وقال ابن عطاء الله في حكمه:(ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكره)([21])
هكذا كانوا ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ يقومون بعبادة التفكر، وآليَّة التعقل، لكي يقوموا بما افترضه الله تعالى عليهم، من فريضة غيَّبها كثير من المسلمين.
ومن شدَّة اهتمامهم بالتفكر أنَّه لربما خرج الرجل من منزله لا يريد سوى التفكر في خلق الله تعالى لكي ينال العبرة، فلقد نُقل عن أبي سليمان الداراني قوله: (إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عليّ فيه نعمة ولي فيه عبرة)([22])
تأمل في الوجود بعين فكر*** ترى الدنيا الدنيئة كالخيـال
ومن فيها جميعًا سوف يفنى*** ويبقى وجه ربك ذو الجلال
إنَّ لعبادة التفكر طرقاً كثيرة فيتفكر المرء في نفسه ويتبصر في طريقة صنع الله تعالى لها، ويتفكر في هذه السماء والأرض، ويتفكر في البحر وأمواجه، والجبال وارتفاعها، والسهول وانخفاضها، وتناسق الكون الذي خلقه الله تعالى وسجوده إليه.
لقد أكدت أحدث دراسة نفسية أجراها د.جون كلارك أستاذ علم النفس بجامعة «بافلو» الأمريكية؛ حيث تنصح دراسة جون كل من يعاني بالتشتت الذهني والحيرة وعدم الاستقرار النفسي بقليل من «الصوم عن الكلام»، والانعزال والتأمل والاسترخاء يوميا؛ حيث يختلي الإنسان بنفسه؛ ليفكر ويتأمل بهدوء، مراعياً «الفراغ» أو فاعلاً «لا شيء»؛ ليطهر نفسه، ويريح عقله الذي يعاني من الازدحام، وتكدس المعلومات التي يتلقى منها الملايين بمقياس الكومبيوتر في الدقيقة الواحدة، وسيجد أن تلك الطريقة أفضل من الاعتماد على الأدوية والعقاقير، فالصمت يكسبنا الكثير من الفضائل والقيم الإنسانية، على حد تعبير جون.([23]).

(التربية الذاتية)


إنَّ سلوك التربية الذاتية، والرقابة الخاصة على النفس، وتأديبها وصقلها وتهذيبها مما علق بها من أوضار المخالطة للناس أو الإساءة إليهم، ومحاسبتها في كل صغيرة وكبيرة، سبيل من سبل العزلة المناسبة، وإنَّ جلوساً كهذا من خير أنواع المجالسة للنفس، فإنًَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال:(المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)([24]).
إنَّ جلوس المرء مع نفسه ومحاسبتها في كل صغيرة وكبيرة، من الأعمال القلائل التي يهتم بها الناس في عصرنا الذي عرف بأنَّه عصر العجلة والسرعة، فمحاسبة المرء لنفسه تبصره بعيوبه ، وتوضح له جوانب تقصيره في حقِّ الله تعالى، وتذكر قوله عز وجل:( بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره).
وإنَّ خلوة الشخص مع نفسه، تعوِّدها ألاَّ تستجيب لكل ما تريد، بل يلزم نفسه وجسده ذلك، ليستفيد منها فوائد عدَّة، من أهمها: تربية النفس، وتأديبها، ومحاسبتها، ودعاء الله تعالى أن يغفر ذنوبه وخطاياه.
وكما يحب أن يغفر الله ذنبه، فإنَّه يحاول أن يسامح الآخرين الذين أخطؤوا في حقه، ويستغفر لهم، ويعود نفسه على ذلك، لعلَّ الله تعالى يجعل ذلك سبيلاً لدخول الجنة.
من نال مني أو علقت بذمته * سامحته لله راجي منته
كي لا أعوق مسلماً يوم الجز* اء ولا أسوء محمداً في أمته
 
(المكث في المسجد)

إنَّ جلوس العابد في المسجد والتبتل لربك بذكره ومناجاته ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، من أروع ساعات العمر التي تمر على المرء المسلم، ويكفيه فخراً أن الإسلام عدّ ذلك من قبيل الرباط حيث ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط([25] ).
إنَّ جلوس الشخص العابد في المسجد معتزلاً الخلق، ومقبلاً على الحق، وهو ينتظر الصلاة، أو يقرأ القرآن، أو يستغفر ويذكر ربه كثيراً عمل مشروع يثاب عليه صاحبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ (أي : ما دام منتظرا للصلاة) وَتُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ )([26]).
ولعلك قلبك يكون معلقاً بالمسجد فتنال شرف قوله صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... وذكر منهم : ورجل قلبه معلق بالمساجد)، وتأمل حال الربيع بن خثيم وأنسه بجلوسه في المسجد حيث يقول: (أنا بعصافير المسجد آنس مني بأهلي!)([27]).

(الصمت وقلَّة الكلام)


في عزلتك تتعلم الصمت وقلَّة الكلام؛ لكي تتعود على ذلك في مجالستك للآخرين، ولا تتحدث معهم إلا بما يفيد أمراً بمعروف أو نهيا عن منكر أو إرشاداً في مسألة أو مؤانسة محب، وإلا فاربط على فمك بالرباط، فاللسان بحاجة إلى لجام قال بعض الحكماء : (لا شيء أحق بالسجن من اللسان وقد جعله خلف الشفتين والأسنان ومع ذلك يكثر القول ويفتح الأبواب!! ).
وتذكر حديث رسول الله الذي رواه عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟، قال صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك)([28]) ومِمَّا قاله إسماعيل بن أمية: (كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم يخيل لنا أنَّه يؤيد)([29]).
وكان وهب بن منبه يقول: (المؤمنُ يخالطُ ليعلمَ، ويسكتُ ليسلمَ، ويتكلمُ ليفهمَ، ويخلو لينعُمَ)([30]).
فرحم الله سلفنا الصالح:
إذا سكتوا رأيت لهم جمالاً * وإن نطقوا سمعت لهم عقولا
إن أكبر مشكلة تقع للكثيرين من الدعاة وطلبة العلم، أن تطول مجالسهم في غير فائدة، ولربما انقلب شيء منها للغيبة والكلام الذي لا يليق، مع أنَّ سلفنا الصالح كانوا يحذرون من ذلك ويقولون كما قال محمد بن شهاب الزهري: (إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب)([31]).
قال ابن القيم:(ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام ، والظلم، والزنا والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم، وغيرذلك؛ ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه ، حتى يُرَى الرجل يشار إليه بالدين، والزهد، والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقى لها بالا ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول)([32]).
إنَّ من فوائد التعود على إيثار السكوت والصمت، التأمل في القرارات التي يريد أن يتخذها الشخص، وعدم الاستعجال في اتخاذها بل التأمل في عواقبها ونتائجها، ومقايستها بمثيلاتها، فتكون هذه العزلة مجالاً للتأمل والتفكر قبل صدور أي قرار في وضح النهار وبعيداً عن الاختلاط بالناس وقد تكون الصورة غير واضحة له تماما لأنَّه بحاجة لهدوء تام، وتفكير هادئ، وهذا لا يجده صاحبه إلاَّ وقت العزلة الوقتية الشرعية.

(قرع أبواب السماء بالدعاء)


يمكن أن تستثمر عزلتك وتستفيد منها بالإلحاح على الله في الدعاء، وسؤاله كل ما تريد من أمور الدين والدنيا والآخرة، ولتكن لك ساعات طويلة في مثل ذلك.. تستشعر حينها طعم الذل بين يدي الله والانطراح على عتبة العبودية، وإنَّ من أكبر مشكلات هذا العصر أنَّ الناس يعيشون فيه في دوامة الخلطة، فلقد انتفت كثير من خصوصياتهم وبات كثير منهم منهمكاً ومنشغلاً بالآخرين، وقلَّما يتذكر حقوق ربه عليه، فلربما ينسى الله فينسيه الله نفسه ، قال تعالى:{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ }[الحشر: 19].
يقول ابن القيم رحمه الله: ( تأمَّل هذه الآية تجد تحتها معنىً شريفاً عظيماً ، و هو أنّ من نسي ربه أنساه ذاته ونفسه ، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه ، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، فصار معطّلاً مهملاً بمنزلة الأنعام السائبة، بل ربما كانت الأنعام أخبر بمصلحها منه. والمقصود أن العلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته)([33]).

(الانقطاع عن الناس ( قليلاً) لمن كان مشهوراً أو مشغولاً بهم)


العزلة الشرعية مفيدة لك خصوصا إن كنت مشهوراً، أو معروفاً بين الناس، فهي تحجمك عنهم لمدة وتبصرك بعيوبك وخفاياك، وتجعلك قادراً على تأنيب نفسك وتأديبها، وعدم انسياقها خلف ملذاتها وشهواتها ، ففي البعد عنهم في كلِّ سنة ولو لشهر أو شهرين فوائد لصقل شخصيتك ، وإراحة بالك، والبعد عنهم كل يوم ولو لساعات مفيد لك في محاسبة نفسك ، ورؤيتك عيوبك أمامهم وذنوبك تجاه ربك.
كما أنّ في العزلة بُعدُ عن خلطاء السوء وتضييع الأوقات، وقد بوب البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق : (باب: العزلة راحة من خلاط السوء).
فعلى الداعية كذلك أن يجعل لنفسه حظاً ونصيباً من عبادة ربه، والله تعالى يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم ( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليله * نصفه أو انقص منه قليلاًُ * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً* إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً * إنَّ ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً * إن لك في النهار سبحا طويلاً* واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا) ففي الليل والنهار لابد لسالك طريق العبودية من ساعات يخلو فيها مع ربه تعالى، ويستثمر وقته في طاعة الله تعالى.
إذا كنتُ أعلم علماً يقينا **** بأن جميع حياتيْ كساعة
فَلِمْ لا أكونُ ضنيناً بها **** وأصرِفُها في صلاحٍ وطاعة
أورد الإمام مسلم في صحيحه حديثاً عظيماً به قصة وعظة وعبرة، حيث إنَّ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان في إبله . فجاءه ابنه عمر . فلما رآه سعد قال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب . فنزل . فقال له : أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم ؟ فضرب سعد في صدره فقال : اسكت. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي)([34]).
إنَّ من عجيب ما طالعته في سير الصالحين ما نقله ابن الجوزي عن طلحة بن مصرف حيث (كان قارئو القرآن يقرؤون عليه القرآن فلما رأى كثرتهم عليه كره ذلك فمشى إلى الأعمش وقرأ عليه فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة)([35])!
إنَّ من الروائع الجميلة التي كان يقوم بها علماء الإسلام سابقاً أنهم إن أشكلت عليهم مسألة، اعتزلوا الناس وخلوا بأنفسهم، وأكثروا من الاستغفار لعلمهم أنَّ نسيان العلم بسبب الذنوب، كما قال تعالى (فإن تولوا فاعلم أنَّما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم) وهذا دليل على أن تولي الإنسان عن الذكر سببه الذنوب، ولكن مع الاستغفار وصدق النية يُيسر الله الأمر، واستنبط بعض العلماء من قوله تعالى (إنَّا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما* واستغفر الله إنَّ الله كان غفوراً رحيما) أنَّه ينبغي للإنسان إذا نزلت به حادثة، سواء في إفتاء أو حكم قضائي، أن يكثر من الاستغفار لأنَّ الله قال (لتحكم) ثم قال (واستغفر الله) وهذا ليس ببعيد؛ لأنَّ الذنوب تمنع من رؤية الحق، قال تعالى (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)([36]).
ولقد جاء في طبقات الحنفية (كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله ورضي عنه: إذا أشكلت عليه مسألة قال لأصحابه: ما هذا إلا لذنب أحدثته! وكان يستغفر، وربما قام وصلى ، فتنكشف له المسألة، ويقول: رجوت أنه قد تيب علي. فبلغ ذلك الفضيل بن عياض، فبكى بكاء شديداً ثم قال: ذلك لقلَّة ذنبه؟، فأما غيره فلا ينتبه لهذا!)([37]).
وهذا الإمام الجليل ابن تيمية رحمه اللَّه يقول عن نفسه: (ربما طالعت في الآية الواحدة مائة تفسير)؛ ثم يسأل اللّه قائلاً : (يا معلم آدم وإبراهيم علمني)، وينطلق إلى المساجد المهجورة حيث لا يراه أحد، يمرغ وجهه فـي التراب افتقاراً، وانكساراً للَّه سائلاً الفهم، قائلاً : (يا معلم إبراهيم علمني . يا مفهم سليمان فهمني).
قال أبو حامد الغزالي رحمه اللَّه تعالى : (أنوار العلوم لم تحجب من القلوب لبخل ومنع من جهة المنعم تعالى عن ذلك، بل لخبث وكدورة، وشغل من جهة القلوب؛ فإنها كالأواني مادامت مملوءة بالماء لا يدخلها الهواء ، والقلب المشغول بغير اللَّه لا تدخله المعرفة بجلاله)([38])
لهذا حينما ندرك سر التقوى، وفضل عبودية المراقبة، وأنَّ البداية والنهاية في طلب العلم وحسن الفهم، اقتباساً من قوله تعالى:(وَََاتَّقُواْ اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
إنَّ العبد عندما يرى أنَّ الله منحه شيئاً من العلم فعليه أن يشكر نعم الله عليه لكي تقر النعمة ولا تفر، ولقد قال أبو قلابة (إذا أحدث الله عز وجل لك علماً فأحدث له عبادة، ولا يكن همك ما يحدث به الناس)([39])

(العزلة وقت الفتنة راحة عن بلاياها)


إن كنت في وقت فتنة وهرج ومرج واختلاف وقيل وقال، فعليك بالعزلة فوالله إنها أفضل ألف مرة من مخالطة قد يتندم الرجل فيها على كلمة أو فعلة لم يحسب الشخص لها حساباً، وخصوصا لمن لم يكن قادراً على مواجهتها بالقدرة الشرعية والنفسية.
بل إن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّ العبادة في الفتن واختلاف الناس، فيها فضل كبير، حيث روى الصحابي الجليل معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (العبادة في الهرج كهجرة إلي)([40]).
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به )([41] )
وعندما كثرت الفتن في وقت الإمام سفيان الثوري أنشأ يقول:
(ما العيش إلا القفل والمفتاح
وغرفة تصفقها الرياح
لا صخب فيها ولا صياح)([42])
فالبعد عن الفتنة خير سبيل لعدم الولوج فيها، فمن ولج فيها أخذته ومن يستشرف لها التقمته.
يقول سفيان بن عيينة قال : حدثني عبد الله بن المبارك وكان عاقلا، عن شيوخ أهل الشام قال: من أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولا ، لم ينج منها آخرا و إن كان مجاهد)([43]).
فتبصّر ولا تُشِم كلّ برقٍ *** ربّ برقٍ فيه صواعق حين
واغضض الطرف تسترح من غرام *** تكتسي فيه ثوب ذل وشين
فبلاء الفتى موافقة النف*** س وبدء الهوى طموح العين
إنَّ من فضائل العزلة الشرعية أنًَّ الرجل إن لم يستطع أن يقول كلمة خير، أو أن يفعل فعلاً صائباً فلا عليه إلاَّ أن يكف شره على الناس ويدل على ذلك الحديث الذي رواه أبو سعيد الخُدريِّ رضي الله عنه فقال: قال رَجُلُ أَيُّ النَّاسِ أفضل يا رسولَ الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : (مُؤْمِنٌ مجَاهِدٌ بِنَفسِهِ وَمَالِهِ في سبيل اللَّه) قال: ثم من ؟ قال : (ثم رَجُلٌ مُعتَزِلٌ في شِعْبٍ مِن الشِّعَاب يَعبُدُ رَبَّهِ)، وفي روايةٍ: (يتَّقِي الله، ويَدَع النَّاسِ مِن شَرّْهِ)([44]).
كما ورد في ذلك حديث عظيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه البخاري ومسلم عن أبي ذر -رضي الله عنه وأرضاه- قال: {سألت النبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيله، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها، قلت: فإن لم أستطع؟- أي لم أستطع أن أجاهد في سبيل الله، ولا أن أقوم بإعتاق هذه الرقاب الغالية النفيسة - قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق، -والأخرق هو من لا يجيد ولا يحسن الصناعة ويحتاج إلى مساعدة الناس له- قلت فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من شَرِّك، فإنها صدقة منك على نفسك)([45]).

(ختاماً)


هذه ومضة من نتائج الفكر، وإشراقة من حديث القلب وحفيفه، انثالت كقطرات الندى أرجو أن تلامس قلوب أهل الصلاح والرضى، فيقوموا بها خير قيام، ويدعوا لصاحبها كثير الآثام، والله تعالى هو الموفق والمستعان.

-------------------------------
[1] ) أخرجه مسلم .
[2] ) أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي – واللفظ له - من حديث ابن عمر، وحسَّنه ابن حجر، وصحَّحه أحمد شاكر والألباني والأرناؤوط.
[3] ) "مجموع الفتاوى، لابن تيمية: (10/426)
[4] ) العزلة للإمام الخطابي : ص11،12.
[5] ) أخرجه البخاري ومسلم.
[6] ) كشف الكربة في وصف أهل الغربة، لابن رجب.
[7] ) الفوائد، لابن القيم : ص152.
[8] ) صفة الصفوة، لابن الجوزي:(2/97).
[9] ) صفة الصفوة، لابن الجوزي: (4/270).
[10] ) مدارج السالكين، لابن القيم: (2 / 439).
[11] ) مدارج السالكين، لابن القيم : (2/ 430).
[12] ) صيد الخاطر، لابن الجوزي ، ص394.
[13] ) متفق عليه.
[14] ) كتاب التفكر من المشاهدة إلى الشهود للدكتور مالك بدري : ص59، نقلاً عن : بحث للدكتور أحمد القاضي بعنوان : ( تأثير القرآن على وظائف الجسم البشري وقياسه بواسطة أجهزة المراقبة الإلكترونيَّة) والمنشور في فلوريدا عام 1984م ،
[15] ) سير أعلام النبلاء، للذهبي : (11 / 224).
[16] ) قصيدة ملوك الإيمان للشيخ الشاعر: عائض القرني – وفقه الله لهداه - .
[17] ) رواه الإمام أحمد وابن المبارك في الزهد، ورواه ابن أبي شيبة موقوفا على الحسن البصري.
[18] ) إحياء علوم الدين، للغزالي (4/425).
[19] ) إحياء علوم الدين، للغزالي : (4 / 424).
[20] ) مفتاح دار السعادة ، لابن القيم : (1 / 183).
[21] ) شرح الحكم العطائية، لعبد المجيد الشرنوبي: ص25.
[22] ) تفسير ابن كثير : (1 / 438).
[23] ) موقع ملتقى الخطباء، ورابطه:
http://www.khutabaa.com/index.cfm?method=home.kndetails&knid=329
[24] ) أخرجه ابن ماجه ، وحسَّنه ابن حجر والسيوطي، وصحَّحه الألباني.
[25] ) أخرجه مسلم.
[26] ) أخرجه البخاري ومسلم.
[27] ) صفة الصفوة، لابن الجوزي: (3/66).
[28] ) أخرجه الترمذي في سننه وقال هذا حديث حسن، وصححه ابن معين والألباني.
[29] ) أخبار مكَّة، للفاكهي برقم : (1528) ووردت كذلك هذه المقولة، في ترجمة عطاء في سير أعلام النبلاء، والبداية والنهاية.
[30] ) صفة الصفوة، لابن الجوزي: (4/68).
[31] ) حلية الأولياء/ لأبي نعيم الأصبهاني برقم :(4602).
[32] ) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم: ص: 235.
[33] ) مفتاح دار السعادة ، للإمام ابن القيم :( 1 / 86).
[34] ) أخرجه مسلم .
[35] ) صفة الصفوة، لابن الجوزي : (3 / 36).
[36] ) الشرح الممتع، لابن عثيمين: (1/ 16)
[37] ) طبقات الحنفية، لعلي القاري : (2/ 487)
[38] ) إحياء علوم الدين، للغزالي.
[39] ) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، برقم: (799)
[40] ) أخرجه مسلم.
[41] ) أخرجه البخاري ومسلم.
[42] ) العزلة، للخطابي ص:27.
[43] ) تاريخ بغداد ، للخطيب البغدادي : (7 / 190).
[44] ) أخرجه مسلم.
[45] ) أخرجه البخاري ومسلم.



ضوابط العزلة والاختلاط
 
‏        عن سهل بن سعد، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ". ] صحيح / صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني، 6661 [. " المؤمن يألف " لحسن أخلاقه وسهولة طباعه ولين جانبه ... فالمؤمن يألف الخير، وأهله ويألفونه بمناسبة الإيمان. " ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف " لضعف إيمانه وعسر أخلاقه وسوء طباعه. والألفة سبب للاعتصام باللّه وبحبله، وبه يحصل الإجماع بين المسلمين، وبضده تحصل النفرة بينهم. وإنما تحصل الألفة بتوفيق إلهي لقوله سبحانه: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ ] آل عمران: 103 [ ، إلى قوله: ﴿ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ ] آل عمران: 103 [.
قال الماوردي: بين به أن الإنسان لا يُصلح حاله إلا الألفة الجامعة، فإنه مقصود بالأذية محسود بالنعمة. فإذا لم يكن ألفاً مألوفاً، تختطفه أيدي حاسديه، وتحكم فيه أهواء أعاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تَصفُ له مدة. وإذا كان إلفاً مألوفاً، انتصر بالإلف على أعاديه، وامتنع بهم من حساده، فسلمت نعمته منهم، وصَفت مودته بينهم[1].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ". ] صحيح / صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني، 6651 [. ومن ثم عدوا من أعظم أنواع الصبر، الصبر على مخالطة الناس وتحمل أذاهم ... ومخالطة الناس إذا كانت شرعية، فهي من العبادة ... فمن خالطهم بحيث اشتغل بهم عن الله وعن السنن الشرعية، فذا بطال، فليفر منهم. قال حجة الإسلام: وللناس خلاف طويل في العزلة والمخالطة أيهما أفضل؟ مع أن كلا منهما لا ينفك عن غوائل تنفر عنها، وفوائد تدعو إليها. ويميل أكثر العباد والزهاد إلى اختيار العزلة، ومال الشافعي وأحمد إلى مقابله. واستدل كل لمذهبه بما يطول. والإنصاف أن الترجيح باختلاف الناس: فقد تكون العزلة لشخص أفضل والمخالطة لآخر أفضل. فالقلب المستعد للإقبال على الله، المنتهي لاستغراقه في شهود الحضرة، العزلة له أولى. والعالم بدقائق الحلال والحرام، مخالطته للناس ليعلمهم وينصحهم في دينهم أولى، وهكذا[2].
فإذا كان المرء في الإسلام يحسن له المخالطة، فإن هذه المخالطة ستؤدي لتأثر المُخَالط ممن خالطهم. ودليل ذلك ما نقله أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير: فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يُحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة. ] صحيح البخاري، 2628 [.
ولما كان تأثير الأصدقاء بهذه الدرجة، فإن هذا التأثير يكون أقوى وأشد فيما بين الأطفال ولا شك. ذلك أنهم يكونون ما زالوا في مرحلة التشكيل والتطبع، فيسهل تقبلهم لسلوكيات أصدقائهم بسرعة وبدون مقاومة. وهذا ما يؤكد على ضرورة حماية الأطفال من الرذائل والأخلاقيات والسلوكيات السيئة، بمنعها من التسرب إليهم، وذلك بإبعادهم عن قرناء السوء.
ولا يقصد بذلك عزل الأطفال مطلقا عن أقرانهم للحفاظ على أخلاقهم وسلوكياتهم. فوجود الطفل وسط مجموعة من الأطفال يعد من الأمور الهامة في التربية، حيث يتعلمون كيفية معاملة غيرهم، ويتدربون على تقديم التضحيات والتنازلات المختلفة تحقيقا لرغبات الجماعة. كما أن الاختلاط والمصاحبة يعتبران من السنن الاجتماعية الثابتة فيما بين الناس.
على أن الخُلطة بين الناس قد تؤدي أيضا لضياع الوقت. وهذه من أكبر الآفات التي يمكن أن تنجم عن الاختلاط بين الناس. ولنا في السلف أسوة حسنة بما كان منهم في سبيل المحافظة على أوقاتهم من الضياع فيما لا طائل من ورائه.
يقول ابن الجوزي [3]: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة‏.‏ ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل‏.‏ ولتكن نيته في الخير قائمة، من غير فتور، بما لا يعجز عنه البدن من العمل ... وقد كان جماعة من السلف يبادرون اللحظات‏.‏ فنُقل عن عامر بن عبد قيس، أن رجلاً قال له: كلمني، فقال له: أمسك الشمس! وقال ابن ثابت البناني‏:‏ ذهبت ألقن أبي، فقال‏:‏ يا بني دعني فإني في وردي السادس‏.‏ ودخلوا على بعض السلف عند موته، وهو يصلي، فقيل له‏.‏ فقال‏:‏ الآن تطوى صحيفتي‏.‏
ويقول [4] : رأيت العادات قد غلبت الناس في تضييع الزمان، وكان القدماء يحذرون من ذلك. قال الفضيل‏:‏ أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة‏.‏ ودخلوا على رجل من السلف فقالوا‏:‏ لعلنا شغلناك، فقال‏:‏ أصدقكم كنت أقرأ فتركت القراءة لأجلكم‏.‏ وجاء رجل من المتعبدين إلى سري السقطي، فرأى عنده جماعة، فقال‏:‏ صرت مُناخ البطالين. ثم مضى ولم يجلس‏.‏ ومتى لان المزور طمع فيه الزائر، فأطال الجلوس، فلم يسلم من أذى‏.‏ وقد كان جماعة قعوداً عند معروف، فأطالوا، فقال‏:‏ إن ملك الشمس لا يفتر في سوقها. أفما تريدون القيام‏؟!‏ ... وكان داود الطائي يستف الفتيت، ويقول‏:‏ بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية‏.‏ وكان عثمان الباقلاني دائم الذكر لله تعالى، فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر. وأوصى بعض السلف أصحابه، فقال‏:‏ إذا خرجتم من عندي فتفرقوا، لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه‏.‏ ومتى اجتمعتم تحدثتم‏.‏
ويقول [5] : وجمهور العالِم على غير الجادة، والمخالطة لهم تضر ولا تنفع‏.‏ فالعجب لمن يترخص في المخالطة، وهو يعلم أن الطبع لص يسرق من المخالطة‏. ‏وإنما ينبغي أن تقع المخالطة للأرفع والأعلى في العلم والعمل ليستفاد منه. فأما مخالطة الدون فإنها تؤذي، إلا أن يكون عامياً يقبل من معلمه، فينبغي أن يُخالط بالاحتراز‏.‏ وفي هذا الزمان إن وقعت المخالطة للعوام عكرت الفؤاد، فهم ظلمة مستحكمة. فإذا اُبتلى العالِم بمخالطتهم، فليشمر ثياب الحذر، ولتكن مجالسته إياهم للتذكرة والتأديب فحسب‏.‏
 وإن وقعت المخالطة للعلماء، فأكثرهم على غير الجادة، مقصودهم صورة العلم لا العمل به‏.‏ فلا تكاد ترى من تذاكره أمر الآخرة، إنما شغلهم الغيبة، وقصد الغلبة، واجتلاب الدنيا‏.‏ ثم فيهم من الحسد للنظراء ما لا يوصف‏.‏ وإن وقعت المخالطة للأمراء، فذاك تعرض لفساد الدين‏.‏ لأنه إن تولى لهم ولاية دنيوية، فالظلم من ضروراتها، لغلبة العادة عليهم والإعراض عن الشرع‏.‏ وإن كانت ولاية دينية، كالقضاء، فإنهم يأمرونه بأشياء لا يكاد يمكنه المراجعة فيها، ولو راجع لم يقبلوا‏.‏ وأكثر القوم يخاف على منصبه، فيفعل ما أمر به وإن لم يُجبر‏.‏
وإن وقعت المخالطة للمتزهدين، فأكثرهم على غير الجادة، وعلى خلاف العلم، قد جعلوا لأنفسهم نواميس، فلا يتنسمون ولا يخرجون إلى سوق، ويظهرون التخشع الزائد وكله نفاق‏.‏ وفيهم من يلبس الصوف تحت ثيابه، وربما لوح بكمه ليرى‏.‏ وقد حكي عن طاهر بن الحسين أنه قال لبعض المتزهدين‏:‏ مذ كم قدمت العراق؟ قال‏:‏ دخلتها منذ عشرين سنة، وأنا منذ ثلاثين سنة صائم‏.‏ قال‏:‏ سألناك عن مسألة، فأجبت عن اثنتين‏.‏
 فمن رزقه الله سبحانه النظر في سير السلف، ووفقه للإقتداء بهم، آثر أن يعتزل عن أكثر الخلق، ولا يخالطهم، فإنه من خالط أوذي‏.‏ ومن دارى لم يسلم من المداهنة. فالنصح اليوم مردود‏.‏
فما أنفس هذا الكلام! وهكذا يكون الفاصل بين الاختلاط مع الناس والانعزال عنهم حدا دقيقا، يجب على المرء أن يستشعره. فمتى تحقق له الانتفاع بالمخالطة، من تعلم العلوم الشرعية، أو مصاحبة العلماء والزهاد، أو التحلي بالأخلاق الحميدة، كان الاختلاط أنفع وأفضل. أما إذا ترتب على هذا الاختلاط مفاسد عظيمة، مثل الانشغال عن ذكر الله، أو الوقوع في الغيبة أو النميمة، أو اكتساب الأخلاق المرذولة، كان من الأولى ترك هذا الاختلاط، والانعزال عن الناس. وكل امرئ طبيب نفسه في ذلك!


14 من رجب عام 1425 من الهجرة ( الموافق في تقويم النصارى 30 من أغسطس عام 2004 ).
--------------------------------
[1]  محمد عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، دار الفكر، 1416. ج: 6، ص: 311.
[2]  المرجع السابق، ج: 6، ص: 314.
[3]  أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، صيد الخاطر، دار الحديث، 1419. ص: 21.
[4]  المرجع السابق، ص: 496.
[5]  المرجع السابق، ص: 353.



مدرسة العباقرة

بسم الله الرحمن الرحيم
\" المحادثة تثري الفهم .. ولكن الاعتكاف هو مدرسة العبقرية \" ادوارد جيبون .. من المؤكد أن جيبون صادق إلى حد كبير فيما ذهب إليه .. فغالبية المفكرين و القادة الروحيين و الشعراء ينتحون إلى قضاء شطر كبير من وقتهم في خلوة .
ويذهب المؤرخ البريطاني توينبي إلى اعتبار أن العزلة و الاعتكاف شكلا قانونا نفسيا لاكتشاف الحقائق عند الأنبياء و المصلحين . هكذا اعتزل نبينا محمد صلى الله عليه و سلم في غار حراء الليالي ذوات العدد و هكذا انسحب عيسى عليه السلام إلى الخلاء ليصوم أربعين يوما .. ولم يكن موسى عليه الصلاة و السلام ليرجع إلى فرعون بالحجة المبينة لولا تلك الرحلة إلى مدين .
ليس من إنسان يستطيع أن يفتق فكره الشخصي ما لم يلون حياته بالاعتكاف من حين لآخر .
ولهذا كان الاعتكاف .. للالتفات للداخل ، لمراجعة الذات ، فالإنسان يتوجه إلى الخارج دوما .. أما الانعكاف على الذات داخليا لاكتشافها فنادر .. إلا في لحظات ثلاث :- الصلاة و الاعتكاف و المحنة .
بداية فكرة العزلة :- لقد حث رسول هذه الأمة على هذه العبادة تاركاً لمن ينتهجون نهجه درساً عظيماً في أهمية الانقطاع إلى الله ـ تعالى ـ والتحرر من الشواغل والمسؤوليات كائناً من كان صاحبها في الدعوة والعلم والتربية والجهاد فضلاً عن أمور الدنيا .. وهنا يقول صاحب الظلال :- « لا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى، لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت » إلى أن يقول :- « فالاستغراق في واقع هذه الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له فلا تحاول تغييره، أما الانخلاع منه فترة والانعزال عنه والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر منه، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس » كتاب فى ظلال القرآن
ويقول صاحب الرحيق المختوم :- ( وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، وليكون انقطاعه عن شواغل الأرض وضَجَّة الحياة وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة نقطة تحول لاستعداده لما ينتظره من الأمر العظيم، فيستعد لحمل الأمانة الكبرى وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ‏.‏‏.‏‏.‏ دبر الله له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله )
السلف يحبون العزلة :- وليست العزلة المشروعة لتربية النفس وتهذيبها مقصورة على سنة الاعتكاف فحسب ؛ بل كان السلف رضي الله عنهم يحثون السالك على اختلاس أوقات يخلو فيها بنفسه للذكر أو الفكر أو المحاسبة أو غيرها .
قال عمر رضي الله عنه :- ( خذوا بحظكم من العزلة ) ..
وقال مسروق رحمه الله :- ( إن المرء لحقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها يتذكر ذنوبه، فيستغفر منها )
ويوصينا ابن الجوزي رحمه الله بالعزلة فيقول :- ( فيا للعزلة ما ألذها ! فلو لم يكن في العزلة إلا التفكير في زاد الرحيل ، والسلامة من شر المخالطة كفى ) .. ويقول :- ( ولأن أنفع نفسي وحدي خير لي من أنفع غيري وأتضرر.. الصبر الصبر على ما توجبه العزلة ، فإنه إن انفردْتَ بمولاك فتح لك باب معرفته .. )
مدرسة العباقرة :- تقول الدكتورة ليلى أحمد الأحدب :- يوضح الدكتور ستور أهمية العلاقات الإنسانية وبخاصة تلك التي تجعل لحياتنا معنى فريداً كشريك الحياة أو الصديق العزيز , ويمضي في التعريف بالاعتكاف الإجباري :- وهو الذي يفرض على المرء عزلة إجبارية بسبب السجن أو المعتقل , كما يحكي لنا عن جوع المخيلة وإثرائها في الخلوة , ويقص علينا كثيرا من مواقف الحداد على الأعزاء وكيف ترافقت بحالات إبداعية لا مثيل لها, مما يؤكد لنا قول جيبون :- ( المحادثة تثري الفهم ولكن الاعتكاف هو مدرسة العبقرية ) ؛ وبعيدا عن الحزن والفقد والوجد والسجن فإن الناس يختلفون في قدراتهم على التوحد كما يختلفون في أشياء كثيرة , وقد التقيت خلال حياتي بأشخاص لا يستطيعون أن يختلوا بأنفسهم لفترة طويلة , ومع أن هؤلاء قد يتميزون بجاذبية الشخصية والقدرة على المؤانسة واختراع الأحاديث وخلق أجواء من المرح لكنهم لا يمكن أن يصلوا لمرحلة إبداعية دون أن يعتمدوا على غيرهم كما لا يمكن لهم أن يطوروا أنفسهم , سيما إذا علمنا أن أكثر من يعارضون تطورنا أو تغيرنا نحو الأفضل هم أقرب المقربين منا وذلك لأنهم تعودوا على التعامل مع شخصياتنا كما هي فإذا تطورت شخصياتنا فسيكون محتّما عليهم أن يبذلوا جهدا ليتعاملوا معنا وفق شخصياتنا الجديدة أي أن يتغيروا هم أيضا. وعموما فإن قدرة المرء على التوحد تعتبر مصدرا عظيم القيمة عندما يتطلب الأمر إحداث تغييرات في الاتجاه العقلي أو- وهو الأهم- تغييرات على صعيد الحياة العامة. وأهم ما يقوله الدكتور ستور عن ضرورة الاعتكاف للتغيير هو :-( لقد أدرك الزعماء الدينيون العظماء أن الاعتكاف يوفر البصيرة وأيضا التغيير, وقد دأبوا على اعتزال الدنيا قبل أن يعودوا للمساهمة فيما أوحي به إليهم .. فإن النبي محمد كان يعتزل الناس خلال شهر رمضان من كل عام واعتكف في غار حراء ).
الاعتكاف المطلوب :- يقول الأستاذ :- محمد بن يحيى مفرح :- إن الاعتكاف المطلوب هو ذلك الذي ينقل المرء إلى مشابهة حياة السلف الصالح في كل همسة ولفتة. نعم إنه الاعتكاف الذي تسيل فيه دموع الخاشعين المتدبرين، وترفع فيه أكف الضارعين المتبتلين، ويسعى فيه صاحبه جاهداً لئلا تضيع من ثواني هذه الأيام لحظة واحدة في غير طاعة؛ إنه الاعتكاف الذي يحقق مفهوم التربية الذاتية لمشابهة المحسنين يستغله المرء ليصل إلى مرتبة عالية، فيكون لسانه رطباً من ذكر الله تعالى، ويستعرض كتاب الله تلاوة وتأملاً وتفسيراً، ويصل إلى المراتب العليا في المحافظة على الصلاة تبكيراً وخشوعاً، ويألف مكابدة قيام الليل تلذذاً وخشية، إنه الاعتكاف الذي يحرر المرء من كثير من سوالب السمت والحكمة من فضول كلام، وكثرة هزل، وزيادة خلطة من أعظم مفاسدها أنها تقصر همة المرء عند همة أصحابه؛ إنه الاعتكاف الذي يربي النفس على التقلل والتزهد في أصناف المطعومات والمشروبات؛ فيوجب رقة القلب، وانكسار النفس، والتحرر من قيود الهوى والدعة والكسل.
قال ابن القيم رحمه الله فى كتاب الفوائد :- « إذا طلع نجم الهمة في ليل البطالة، وردفه قمر العزيمة، أشرقت أرض القلب بنور ربها »
وأخيراً :- ارحل عن الضجيج لمدة معينة يوميا .. ارتم ساجدا عند خالقك مستشعرا عجزك و ذلك .. متأملا في عظمته و ضعفك .. اغسل همومك بدعائك و دموعك .. وانضم لقافلة… رهبان الليل
ولتجتهد أن تتخرج من مدرسة العباقرة هذا العام .. وليخلو كل واحد منا بنفسه .. يعوض ما فقده .. ويسارع نحو ربه .. ويستدرك ما نقصه .. ويزيد فى صلته بربه .. ويفتح لنفسه أبواباً للتعبد وللقرب من ربه .. وتقول الدكتورة ليلى أحمد الأحدب :- ( الاعتكاف أخيرا يساعدنا على لملمة ذرات أرواحنا التي تتبعثر منا في زحام الحياة الدنيا, وهذا ما يعبر عنه وورد سورث فيقول: (عندما نبعد عن ذواتنا الحقيقية لمسافات بعيدة جدا بالدنيا التي تدفعنا دفعا فنسقط, وقد صرنا مرضى بمشاغلها, ومرهقين بملذاتها, فإننا نجد أن الاعتكاف عندئذ يكون عظيما وعذبا إلى أقصى حد) ..
العزلة الفكرية



أن يربط المربي بالمتربين ربطا عضويا بحيث يتصور لهم أنه هو القدوة الكاملة، ويجعل دور المتربي هو التلقي فقط دون إعمال الفكر فيما تلقاه، ويتجه المربي بدافع الخوف والتربية نحو عزلهم فكريا عن الأفكار المخالفة، ظانا أن هذه الطريقة هي تحصين لهم من لوثة الأفكار المنحرفة، هو في الحقيقة يصنع بهذا شخصيات هشة لا يمكن أن تقاوم أي هجمة فكرية إلا بالرفض المطلق، فلا يقوى على المدافعة العلمية والمجادلة الفكرية، وتنعدم القدرة لديه على المحاورة في اقناع الآخرين.

كنت أتأمل لو لم يخض ابن تيمية عالم المنطق والفلسفة هل كان يقوى على مواجهة الفلاسفة بهذا الطرح العميق؟ لو لم يكن يقرأ المذاهب المبتدعة الضالة ويفهم آلياتها الفكرية وأدواتها المنهجية فهل يستطيع أن يقصم ظهور المبتدعة؟


العزلة الفكرية ليست طريقا للحصانة، بل هي فتح الباب للآخرين بأن يتسللوا وينشروا أفكارهم وآرائهم
، العزلة الفكرية لا تبني رجالا قادرين على قمع الآراء الضالة قمعا علميا، بل هي تدفع نحو السطحية فلا يكاد يفهم حقيقة الأفكار المعاصرة المنحرفة، وتكون ردوده ومجادلته سطحية قوامها بشكل كبير على السب والرمي بالبدع والضلال دون محاورة أفكارهم ودحضها وبيان زيفها.

وليست العزلة الفكرية فقط عن الأفكار المنحرفة؛ بل تكون العزلة الفكرية بثوب آخر وهو عدم مناقشة أفكار الشخصيات العلمية المرموقة، إذ يزرع في مخيلة الشخص أن هناك شخصيات يصعب نقدها، وهذا يشكل عقلية متعصبة لا تقبل الخلاف وتجد في المناقشات العلمية لهؤلاء الشخصيات المرموقة نوعا من التمرد والخروج عن الجادة، والأمة حين ترى أن النقاش العلمي ومخالفة السائد بدليل هو تمرد فإنها لن تستطيع أن تقدم حلولا لمشاكلها المعاصرة؛ بل إنها تكون مع مرور الوقت ضحية للأفكار المنحرفة، فالمتعصب أبرز صفة لديه أنه لا يفهم الأفكار وبالتالي لا يقدر على نقدها. فهو لا يفهم إلا ما قال شيخه، فما رجحه شيخه فهو الحق وما لم يرجحه فهو الباطل، وهذه مأساة التلقين دون التركيز على القواعد العلمية والضوابط المنهجية أنها تنتج مقلدين لا مجتهدين.


المربي من وظيفته الأساسية تربية المتربي على العلم وتنمية فكره على التفكير المستقل القادر على التمييز بين الحق والباطل
، فالمربي الحاذق يسعى لبناء منهجية علمية متماسكة يتمكن من خلالها المتربي تقويم الأفكار والرجال وفق هذا المنهج. ويخطئ المربي حين يضع نفسه بطريقة غير مباشرة أنه هو المنهج وهو المقياس للحق، فالقيمة والمبدأ تسقط وتفقد قيمتها حين تكون موازية للشخص أو حين يعلو عليها الشخص، المنهج هو المقياس وليس المربي، هذه الرؤية يجب أن تكون بارزة في عقلية المربي، وأن يكون همه البناء المنهجي العلمي الصحيح في تلقي المعرفة العلمية وفي التقويم.

المربي دوره الأساسي بناء العقل المستقل المتبع للهدى النبوي وليس المتبع للرجال، فالله يقول:"
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ" فالاتباع في الأصل يكون لما أنزل الله إلينا وهو الكتاب والسنة، واتباع الرجال يكون لمن عجز عن معرفة الدليل بذاته فيبتع من يثق في علميته وأمانته لكن دون تعصب واسقاط للمخالف، فالمقلد عليه أن يتعلم آداب التقليد فلا يحق له أن يجادل ويناظر لأنه لا يملك الأدوات المعرفية التي تأهله لذلك وإلا لكان ترك التقليد من باب أولى، والتقليد والتعصب هما إحدى أسباب نكبات هذه الأمة.

نحن بأمس الحاجة لعقول مفكرة قادرة على استيعاب متطلبات الواقع وفق المنهج الرباني
، تنطلق مع الحق حيثما كان لتمزق حجب الباطل وتنير الطريق للبشرية بنور الوحي. نحن بحاجة ماسة لعقول متحررة من طغيان الجهل وسلاسل الهوى وقيود التقليد قد كسرت الجمود وانطلقت نحو العلم الديني والدنيوي تبتغي إعلاء الحق لا إعلاء ذواتها.

ولعلي أذكر هنا بعض الوسائل التي تعين المربي في بناء عقلية قادرة على المحاورة واستيعاب مفهوم الخلاف والخروج من مأزق العزلة.


على المربي أن يتجاوز التلقين ويتجه نحو الحوار، 
سواء كان الحوار المباشر أو وضع مجموعات يتحاورون فيما بينهم ويضع بينهم قضية مختلف فيها ويجعلهم يتحاورون أمامه ويرصد عليهم إيجابيات الحوار وسلبياته، ويعالج ما يراه من سلبيات سواء في الأسلوب العلمي في كيفية بناء الأفكار وطرح الآراء أوفي المسائل الأخلاقية كالتعصب ورفع الصوت وعدم الإصغاء والخروج عن الموضوع وغيرها من القضايا السلبية التي تنزل من رتبة التفكير العميق.

يقوم المربي بزيارة شخصية علمية أو استضافة أحد المفكرين الذين يختلف معهم المربي في قضية ما،
تطرح هذه القضية المختلف فيها، ويجعلهم يتحاورون ويتناقشون معه، بهذه الطريقة يسمعون حجج الرأي المخالف، ويتربون عمليا منذ الصغر على المحاورة، فتتسع صدورهم للحوار وهم في سن الطلب، فمن تربى على عدم الحوار والمناقشة وهو صغير فلن يستطيع على الحوار وهو كبير إلا بمنازعة شديدة مع نفسه.

تقرأ بعض الأبحاث والمؤلفات التي تتحدث عن استقلالية التفكير 
وأهمية النقاش وعدم النزوع للتعصب والتمسك بالرأي، فالعلم ينير البصيرة ويرتقي بالإنسان نحو الكمال البشري.

يستفاد من التواصل الاجتماعي الحديث في محاورة المخالف
، فالتواصل الاجتماعي فرصة للإنسان أن يتحاور مع الآخرين، ولكن لا يتحاور إلا في قضايا يحسنها كي لا يسقط الفكرة ولا يسقط ذاته، فمن مبادئ النقاش وأسس الحوار أن يكون لدى الإنسان علم في القضية التي يتحاور حولها أو فليسكت.

ختاماً: علينا أن لا نخشى من الباطل فنزوي بعيداً عن مقارعة أهل الباطل، فالحق يمحق الباطل ويزهقه "
بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ" فالباطل لم يعلو لقوته وإنما لانزواء أهل الحق وبعدهم عن مواجهة الباطل، فأهل الحق يملكون الحجة والبرهان ولكن عليهم أن يظهروا الحق ليدحضوا به الباطل.


قليل من عزلة ..
 
أتُوقُ إلى قليل من سكون .. قليل من عزلة .. 
قليل من بعد عن صخب الحياة، وجلبة خطوات البشر .. على طرقات الدنيا الفانية .. 
أتمنى أن أغلق نافذة الحواس، لأفتح بوابة قلبي .. 
لأرى الأشياء بصورة أوضح، وأسمع الأصوات دون أن تتداخل في بعضها .. وأتحسس معانٍ كانت غائبة عني .. أتمنى أن أتنشق عبير الورد خالياً من أدخنة الحرائق .. أن أتنبأ بحلول عاصفة قبل أن أسمع خبر حلولها في النشرة الجويّة .. 
أتمنى أن أسكب دمعي دون عناء .. دون أن أتناول جرعات فرط حساسية من مرض البكاء الذي لازمني منذ الخيبة الأولى التي تُصرُّ أن تفرض نفسها واقعاً ، فتتصدر بعناد الخبر الرئيسي لكوارث الأمة في نشرة الأخبار . 
أتوق لأن أخلو قليلاً مع كتب غريبة، أن أنبش صفحات الحكايات القديمة التي ابتعلتها الأرض ذات مأساة .. وطواها النسيان .. 
أتمنى أن أحفر قبوراً للظلمة، فأدفنها هنالك للأبد.. وأنتشل بطوق الأمل كل الأحلام الغارقة في محيطات الألم . 
أشتاقُ لصمت يقودني إلى نفسي، يُرسيني على شاطئ الحقيقة، يتركني على جادة الصواب، فلا تتوه أقدامي حين تسيرُ في المنعطفات والطرقات الوعرة ، ولا ينتابني خوفٌ من غموض الحارات القديمة، ولا الأزقة الضيقة المتعرجة مهما عبست في ظلمة ليل . 
أبحثُ عن خارطة أدرسُ فيها أماكن جديدة، غير مرئيّة، أتطلع عبرها للسير في عالم الأرواح، توقفني عند الخط الأحمر.. تخبرني أن أظهر أوراقي كاملة، مرفقة بجواز السفر .. 
أتوخى الحذر .. قبل المرور .. قبل العبور إلى وديان الخطر .. 
إلى مثلث برمودا الجديد، ذلك الذي يحتل يوماً بعد يوم مساحات واسعة ، يبتلعُ كل معاني الخير في الأرواح الطيبة . 

أخبروني يوماً أن الجنة لا معنى لها بلا سكان .. 
وخشيتُ أن أخبرهم بأن سكان الجنة ليسوا كأي سكان .. 
وبأن الزهرة النضرة قد تفنى في غابة أموات .. 
عزلة القلب قد تصنع جنة سقفها سماوي، وأرضها بساط عشبي ، وجدرانها مرايا للروح .. 
قالوا لي .. إن مخالطة البشر تعلمك فنون الحياة، تجعلك خبيراً بأسلحة الغش والكذب والمراوغة والخداع ..تعلمك أن تفهم نفسك ، أن تتلمس نقاط ضعفك فتحيلها إلى قوة .. 
وقلتُ لهم بأن الاحتكاك قد يشعل عيدان الحطب .. 
احتكاك الأرواح الجافة ببعضها ، يوقد ناراً ، يبقي رماداً أو هشيماً أو حطاماً .. 
عودي غض، وأنا كالطفلة أبحثُ عن عشٍ دافئ أتلمسُ فيه الأمان .. 
قد قرأتُ في مكتبة جدي القديمة أن للعزلة فنون .. وبأن اللقيا فنون .. 
وبأن حياة السعادة تترواح بين شيئين .. عزلة تصنعُ مجداً .. أو لقاء بإخوان معهم تمهد دروب النجاة ..وبهم تُصنع حياة الخلود، وإليهم يسعى من تهزّه الأشواق إلى الدار الآخرة .